تهتم هذه المدونة وتعنى بأنساب وتاريخ وأعراف وتقاليد وأخبار وأعلام وشؤون قبائل المساعيد

الاثنين، سبتمبر 03، 2012

مقالة عن دور المساعيد في زراعة النخيل في الجفتلك بالغور

جريدة الأيّام

الجمعة 7 / جمادى الأولى /1430 هــ
/1 أيار / 2009 م

أطراف النهار


نجعة في حياض "الأمير الأخضر"
بقلم حسين البطل


لم أرَ جَمَلاً ولا ناقة في غور الجفتلك، ولكنك تراها (صافنة تحمل هودجها المزخرف) في الطريق إليه، من ذلك الخط الأبيض على السيراميك الأزرق، ما إن "تغوص" السيارة تحت "مستوى سطح البحر" إلى مفترق شارع الغور الاستراتيجي مع شارع يوصلك إلى أعجب بحار العالم.
لم أرَ ناقة أو بعيراً أو إبلاً، لكنني رأيتُ، في رحيق هذا الربيع الربيعي، أشجاراً عجيبة الزهر يسمّونها "خف الجمل". نحن سألنا ومضيفنا، مدير عام مؤسسة "الأيام"، زادَنا علماً، وأحياناً قرأتُ بعيني وتعلّمتُ معنى المقلب اللغوي الثاني لـ "الفصائل"، أي لـ "الفسائل"، وهي أجنّة النخلة الحامل، والنخلة خصوصاً، خلاف أنثى الإنسان، تحمل أجنّتها "خارج الرحم".. وهي شجرة جلود تاجها أخضر و"بطنها أخضر"، أي شجرة ولود تبز في الخصوبة تلك الأميركية - الفلسطينية التي دخلت موسوعة "غينيس" بحملها ووضعها ثمانية أطفال.
في الغور، وغور الجفتلك بخاصة، الوافر من صنوف الشجر، حتى الصنوبر الذي يعشق حمام الثلج لا يتأفّف من حرارة قيظ الصيف في "قاع الأرض"، لكن "غابات" النخيل هي التي صارت تسود المشهد، أو دفعتها شحّة الماء إلى العرش الأخضر للغور الأخضر.
هنا، يدور فصل آخر من حرب ضروس، وكظيمة الصوت، بين نخلتنا على أرضنا ونخلتهم على أرضنا، منذ أطلق ييغال ألون مشروعه لاستلاب إسرائيل أرض الغور وخيراته بدواعي الأمن - الأمني، أو الأمن الديموغرافي.. أو الأمن التوسعي في حقيقة وخلاصة هذا وذاك من دعاوى الأمن.
سرّني، حقاً، أن يحلّ اليقين العيني مكان الظن الآثم، وأن أعرف كيف يخوض فلاّحو الغور معركة "شجرة النخيل"، ويصفّونها في أراضيهم كأنّها أرتال جندٍ في استعراض عسكري. كان ظنّي أن أنفار النخيل المبعثرة هي شغل حاجة فلاّحنا، وأرتالها شغل تجارة شركات الاستثمار الإسرائيلية.
السيد غسان الضامن جال بنا في سيارته رباعية الدفع، منطلقاً من "روضته"، حيث بيته المشرق بالورود والأزاهير، إلى حيازاته وحتى "غاباته" النخيلية. إذاً، من خيرات هذه النخلات الباسقات المباركات، اللاتي كأنها في حشد من صلاة الجماعة ترفع أيديها بالتكبير، كان قد أهدانا، في رمضان الماضي، تمراً من أشهى ما تذوّقت في بلادي.
بيته وحيازاته و"حربه" الخاصة مع غول الاستيطان، جعلته يستحق منّي، وهو الأمير، لقب "الأمير الأخضر"، بدلالة أنّ ثلاث سنوات فصلت بين ضيافته الربيعية لنا، أكدت لي باليقين البصري، أنّ الأخضر يمتدّ بلا تريّث.
أخضر النخيل، وأخضر الكرمة، وأخضر الحمضيات أيضاً.. دون أن يطغى تماماً على أخضر الزراعات الفصلية من باذنجان وكوسا وفليفلة، وكذا الأخضر البرّي الذي يلده رحم الأرض دون أن تستولده أيدي الإنسان.
لا تعرفون مدير عام مؤسستنا أديباً وفلاّحاً وخطّاطاً (هو بديع الخط حقاً)، لكنني أعرف هذا من ملاحظاته على ما يروق له وما لا يروق مما أدبجه بعجالة في هذا العمود، كأنه نخلة هذه الجريدة (هو يصفه "زهرة الأيام"). .. ثم عرفت، أيضاً، في جولة ريعان ربيع ربيعي حقاً، أنه يخوض حرب الأقانيم الثلاثة مع الاستيطان: (الأرض، والفلاح والإصرار).. وأيضاً يمكر على مكرهم القانوني بالقانون الذي به يمكرون علينا. كيف؟ "هبشوا" له "غابة نخيل" على الشارع، فردّ عليهم بدفاع وهجوم دفاعي. الدفاع أمام محاكمهم متسلّحاً بطابو جدّه أيام العثمانيين، وطابو والده أمام البريطانيين. الهجوم، بمحاصرة غابة النخيل المصادَرة بمساكب نخيل حديثة الزرع.أنت تميز سريعاً الفحل والتيس والكبش والثور في قطيع سارح من الأغنام والسخول والأبقار، لكن شقّ عليّ أن أميّز "فحل النخل" عن حريمه ومحظياته، وإنْ علمتُ أن لكلّ "فحل" أو "سلطان" ذكري زهاء مائة خليلة وحليلة.
ما يشبه "حدوة حصان" (هورس شو) من جبال الغور الجرداء، كأنها جبال القمر، تحتضن ما يشبه "غوطة" خضراء غناء ومعطاء مكشوفة للسماء، أو متدثّرة في الدفيئات.
هنا مركز الجفتلك، أو هنا مركز من مراكز قيادة عمليات الدفاع عن الأديم الفلسطيني البنّي وعن الغشاء الفلسطيني الأخضر.. المليء بالأفاعي السود؟ كلا.. بل بأنابيب الري بالتقطير.
يقولون في بلاد بابل، إنّ النخيل يجود إنْ كانت "أقدامه في الماء ورأسه في النار" أي في لظى نور الشمس.. لكنه يجود في الغور.. ولو رضع الماء قطرة قطرة.

http://news.maktoob.com/newspaper?ne...1&title=الأيام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق