النداء 213
الجمعة, 07 يونيو 2013
بين خطف الجنود... والإفراج عنهم
لغز في سيناء!
وسام متى
تصدّر الوضع الأمني في سيناء، خلال الأسبوعين الماضيين، مشهد الفوضى
السياسية والانفلات الأمني؛ اللذين تصاعدا بوتيرة غير مسبوقة منذ وصول "الإخوان
المسلمين" إلى الحكم.
وبعد فترة من الهدوء النسبي شهدته شبه الجزيرة المصرية منذ مقتل
16 مجنداً في الخامس من آب العام 2012ــ في ما عدا بعض الهجمات المحدودة سواء في الداخل
أو عبر الحدود مع فلسطين المحتلة ــ شهدت المنطقة يوم في السادس عشر من أيار الحالي
تطوراً أمنياً خطيراً تمثل في خطف سبعة مجنّدين على يد مجموعة مسلحة تفاوتت التقديرات
بشأن هويتها.
للوهلة الأولى، أعادت عملية خطف الجنود السبعة إلى الأذهان التداعيات
السياسية للهجوم الدامي الذي أودى بحياة المجندين السبعة عشرة، حين استغل الرئيس
"الإخواني" محمد مرسي الحادث المفجع لإقصاء قيادات الجيش السابقة، وعلى رأسها
المشير حسين طنطاوي والفريق سامي عنان، ولذلك فقد كان طبيعياً أن يندفع البعض إلى تحليل
مفاده أن ثمة تحوّلات أخرى تنتظر العلاقة بين "الإخوان" والمؤسسة العسكرية
بعد عملية الخطف، في ظل التشنج السياسي الذي يسود البلاد، وما يطفو على السطح، بين
فترة وأخرى، من خلافات بين مرسي ووزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي.
لكن شريط الفيديو الذي نشر عبر موقع "يوتيوب" للجنود السبعة
المخطوفين، كشف عن أزمة حقيقية تتخطى في خطورتها ما تسود العلاقات بين مركزي القوة
في النظام المصري - الرئاسة والجيش - من تشنجات
وتوترات موسمية، فالشريط المصوّر، الذي ظهر فيه الجنود المخطوفين معصوبي الأعين وهم
يستغيثون بمرسي والسيسي وآبائهم وأمهاتهم لتلبية مطالب الخاطفين بالإفراج عن عدد من
المعتقلين في سيناء، شكل ضربة قوية لهيبة الجيش، وأثار شعوراً بالإهانة لدى كل مصري،
وعكس في الوقت ذاته حالة من فقدان المناعة تجاه أزمات من هذا النوع.
وجاء نشر الشريط المصوّر ليفاقم التعقيدات التي تتسم بها الأوضاع
في سيناء، ويعيد خلط الأوراق بين الرئاسة والجيش، وهو ما تبدّى في الإرباك الشديد الذي
اتسمت به مقاربة الطرفين لسبل تحرير الجنود المخطوفين، فخلال الاجتماعات المتلاحقة
التي جمعت مرسي والسيسي ومدير المخابرات اللواء رأفت شحاتة ووزير الداخلية اللواء محمد
جمال الدين، اقترح مرسي، مدعوماً من وزير داخليته
وجهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً)، التريّث في إطلاق عملية عسكرية وافساح
الفرصة أمام التفاوض مع الخاطفين، بينما أصر السيسي، مدعوماً من المخابرات العامة والمخابرات
الحربية على ضرورة توجيه ضربة خاطفة لأوكار الإرهاب، حفاظاً على صورة المؤسسة العسكرية
وحتى لا يطمع الخاطفون بمزيد من المطالب.
التعقيدات بلغت ذروتها مع دخول السلفيين على الخط، وإعلان رئيس
"الدعوة السلفية" ياسر برهامي عن استعداده للتوسط بين النظام والخاطفين للإفراج
عن المجندين، وتلاه في ذلك "حزب النور" السلفي الذي تحدث عن مفاوضات يقوم
بها مع المجموعة الخاطفة للجنود "بعلم
الجهات المختصة في الدولة"، ليتم الإعلان إثر ذلك بساعات عن إطلاق سراح الجنود
بطريقة مريبة.
وبانتظار فك ألغاز عملية الخطف، من بداياتها إلى نهاياتها، فإن ثمة
من يتحدث عن دور قام به التيار السلفي في الإفراج عن الجنود، في ما يعد تطوراً خطيراً،
فبعدما شهدت السنتان الماضيتان اقتحاماً غير مسبوق من قبل السلفيين لقضايا الأمن والقضاء
(تنظيمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ميليشيات "الدفاع عن الشرعية"،
مجالس الصلح... الخ)، ها هو التيار الإسلامي الأكثر تشدداً يقتحم اليوم ميدان
"الأمن القومي" من البوابة الشرقية لمصر!
في العموم، أثارت عملية خطف الجنود مخاوف الكثيرين إزاء ما آلت إليه
الأوضاع في سيناء منذ "ثورة 25 يناير"، ولعلّ ما يعزز هذه المخاوف هو أن
عملية الخطف الأخيرة، وما سبقها، قد دقت جرس الإنذار بأن البوابة الشرقية لمصر باتت
مشرّعة أمام مخاطر عدّة تطال الأمن القومي لمصر.
وبعد فترة طويلة من الهدوء، بات ينظر إلى سيناء كنقطة توتر أمني
بالغة الخطورة، ولا سيما بعد التفجيرات التي وقعت في منتجعات طابا ورأس شيطان ونويبع
في الجنوب (7/10/2004)، وشرم الشيخ (23/7/2005)، ومنتجع دهب (24/4/2006)، والهجمات
التي استهدفت القوات المتعددة الجنسيات في سيناء (14/8/2005 و26/4/2006).
يذكر أن القوات المتعددة الجنسيات منتشرة في سيناء منذ 25 نيسان
العام 1982، وقوامها نحو ثلاثة آلاف عنصر و1900 مراقب من عشر دول هي الولايات المتحدة،
وفرنسا، وإيطاليا، والنروج، وكندا، وفيجي، وكولومبيا، والاروغواي، واستراليا ونيوزيلندا.
وتصدّر الوضع الأمني في سيناء واجهة الأحداث في مصر مجدداً منذ بدء
"ثورة 25 يناير"، إذ عرفت المنطقة سلسلة من الأحداث، ليس واضحاً بعد مدى
الترابط فيما بينها، وأبرزها التفجيرات المتكررة لخط أنابيب الغاز، والاشتباكات المسلحة
بين البدو وقوات الأمن، وصولاً إلى مقتل عدد من رجال الشرطة والجيش في هجمات شنتها
مجموعات إسلامية "تكفيرية" على قسم العريش تزامناً مع التظاهرات التي باتت
تعرف بـ"جمعة قندهار" في ميدان التحرير يوم 29 تموز 2001.
مفتاح مصر
وتتسم سيناء بأهمية جيوسياسية قصوى، وهي تعد الرقم الصعب في معادلة
الأمن القومي في مصر باعتبارها العازل الاستراتيجي الذي يحمي وادي النيل من التهديدات
الآتية من الشرق.
وتمتد شبه جزيرة سيناء على مساحة 61 ألف كيلومتر بين ساحل البحر
الأبيض المتوسط وخليج السويس وخليج العقبة. وهي نقطة التقاء بين قارتي أفريقيا وآسيا،
وتمثل أيضاً منطقة حدودية، أو على الأصح عازلاً استراتيجياً بين وادي النيل وجيران
مصر لناحية الشرق.
وقد برزت الأهمية الإستراتيجية لسيناء منذ عهد محمد علي (القرن التاسع
عشر)، فقد كانت المنطقة نقطة صراع بين المصريين والسلطنة العثمانية.
ومع افتتاح قناة السويس أصبحت المنطقة في دائرة التجاذبات الدولية،
التي تزايدت منذ بدء المشروع الصهيوني في فلسطين.
وفي العام 1906 ضم البريطانيون سيناء إلى ولاية مصر، وجعلوها جزءاً
من الدولة المصرية في إطار اتفاقيات ترسيم الحدود.
ومنذ العام 1949 خضعت سيناء، شأنها شأن قطاع غزة، للإدارة العسكرية
المصرية، إلى أن اجتاحتها القوات الإسرائيلية في حرب العام 1967، لتبقى تحت الاحتلال
حتى 24 نيسان العام 1982، حين استعادت مصر السيطرة على معظم أنحائها في إطار اتفاقية
كامب ديفيد، ثم خاضت معركة دبلوماسية قوية لاستعادة طابا عام 1989.
ومن الناحية الإدارية، تم تقسيم سيناء إلى محافظتين متساويتين من
حيث المساحة، وهما محافظة شمال سيناء، ومحافظة جنوب سيناء. ويتولى ضابط كبير في الجيش
(غالباً برتبة لواء) منصب المحافظ في كل منهما.
قيود على حفظ الأمن
الحزمة الأولى من الأسباب تتعلق بالظروف الموضوعية للانفلات الأمني
في هذه المنطقة، وأبرزها فشل السلطات المصرية في دمج هذه المنطقة في إطار الدولة المصرية،
وهو أمر دفع بالكثيرين إلى التحذير من "مشاعر انفصالية" لسكانها.
وتعد غالبية سكان سيناء من البدو، علماً بأنهم ليسوا من الرحل، باستثناء
أقلية تعيش في المناطق الداخلية وتعرف باسم "العربان".
ومن أصل 360 ألفاً، يشكلون إجمالي عدد سكان
سيناء، يقدر وجود نحو 200 ألف من البدو، ينتمون إلى
15 قبيلة رئيسية، وينحدرون من شبه الجزيرة العربية والمشرق العربي، وينظمون
علاقاتهم من خلال الاتفاقيات والأعراف القبلية.
ومن أبرز قبائل البدو في سيناء السواركة والرميلات (العريش، والشيخ زويد، ورفح)، والمساعيد والبياضة والدواغرة (غرب سيناء)، والتياها والاحيوات والعزازمة (من وسط سيناء إلى الضفة الغربية في
فلسطين)، وأولاد سعيد والمزينة وأولاد سعيد (الجنوب)، والترابين (في نويبع والشمال).
ويتحدث بدو سيناء بلهجة خاصة تزاوج نبين الشامية والفلسطينية والسعودية،
والعديد من قبائلهم تعتبر مختلطة بين مصر وفلسطين.
وبالإضافة إلى هؤلاء، ثمة فئات أخرى تعيش في سيناء، وهم أبناء وادي
النيل، ممن قدموا إلى سيناء خلال مراحل مختلفة، والجبالية والبوسنيين الذين أتى بهم
العثمانيون إلى المنطقة.
وإذا ما استثنينا الإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية خلال الحقبة
الناصرية لدمج أبناء سيناء في النسيج الاجتماعي في مصر، فإن سلسلة الاجراءات التي اتخذت
بعد ذلك أتت بنتائج عكسية، ناهيك عن الاحتلال الإسرائيلي الذي جعل قناة السويس الحدود
الفعلية لمصر، وكرّس انطباعاً بأن سكان المنطقة خونة وانتهازيون ومهرّبون... الخ
وفي عهد مبارك، تم التعامل مع سيناء بمكيالين، إذ اقتصرت التنمية
الاقتصادية على جنوب سيناء، فضخت المليارات في مشاريع سياحية، خصوصاً في شرم الشيخ
وطابا، في حين ظل شمال سيناء يواجه مشاكل حادة في التنمية. وبذلك أصبحت سيناء مقسمة
بين شمال فقير وجنوب غني، وهو ما يفسر تصاعد حدة التوتر في مناطق مثل العريش والشيخ
زويد مقارنة بمناطق أخرى.
أما الحزمة الثانية من الأسباب، فهي عسكرية – أمنية بامتياز، ولعل
أبرزها القيود التي فرضتها اتفاقية كامب ديفيد على تحركات القوات المسلحة المصرية في
هذه المنطقة، حيث قسمت الاتفاقية شبه الجزيرة المصرية على النحو التالي:
المنطقة "أ": وهي شريط يمتد من على طول الضفة الشرقية
لقناة السويس من الشمال إلى الجنوب، ويسمح لمصر أن تنشر فيها فرقة مشاة قوامها 22 ألف
عنصر.
المنطقة "ب": وسط سيناء ويسمح لمصر أن تنشر فيها قوات
من الشرطة وأربع كتائب عسكرية.
المنطقة "ج": تمتد من حدود قطاع غزة باتجاه خليج العقبة
وشرم الشيخ، وفيها تنتشر قوات الشرطة والقوات الدولية التي تتمركز في نقطتين (الغوة،
وشرم الشيخ).
المنطقة "د": شريط ضيق إلى الشرق من خط الحدود المصرية
ـ الإسرائيلية ويسمح لإسرائيل أن تنشر فيه أربع كتائب مشاة.
وبموجب اتفاقية وقعت بين مصر وإسرائيل عقب الانسحاب الإسرائيلي من
قطاع غزة عام 2005، فقد سمح لمصر بنشر 750 عنصراً من الجيش لضبط الحدود مع غزة، وهي
تنتشر في منطقة فيلاديلفي.
جريدة النداء :
http://www.lcparty.org/website/index.php?view=article&catid=1%3Alatest-news&id=2350%3A-213--------&format=pdf&option=com_content

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق