مع رحيل عبد الرحيم ملحس بالأمس تتواصل مسيرة انقراض رعيل الطب الأردني الإنساني النبيل، والتي افتتحها بكل أسف نبيه معمر قبل عامين .
ما بين نبيه وعبد الرحيم مودة صادقة رغم السنوات العشرة التي تفصل بينهما توجتها نكسة حزيران حيث كان عبدالرحيم جراحاً في مستشفى رام الله العسكري، ونبيه مديراً لمستشفى المقاصد في القدس، الذي ما لبث أن طردته إسرائيل بعد الاحتلال.
كلاهما ترعرع في بيوت ميسورة عريقة، تربيا على الخلق الرفيع فلم تدنس سنوات عطائهم شائبة رغم إغراءات الزمن، وكلاهما يرمز لمدرسة وفية في الانتماء للوطن والمهنة، ويمثلان منذ عقدين من الزمن نموذجاً سيئاً للممارسة الطبية الجديدة التي ابتكرتها حفنة من عديمي الضمائر غدوا يتحكمون بالسوق الطبي الأردني وسواءً كان نبيه أم عبد الرحيم فقد كانا تلامذة لمدرسة يحكمها التواضع والخلق الرفيع ولم يعرفا الخسارة في حياتهم الطويلة سوى أمام المرض واَلامه وأمام الفساد الطبي العلني المنظم المدعوم . وما بين الراحلين أيضاً قواسم مشتركة نبيلة أخرى، فللأردن في فؤادهم وعقلهم محبة وإخلاص ولم تتلاش من قلوبهم ذكريات فلسطين المنسية ، ولم تتغير نظرتهم الصائبة للمستقبل والتي كانت تخالف تطلعات الاَخرين، فلذلك عاشا ورحلا مزعجيـن للبعض لكنهما لم يخونا وطنهم وفلسطيـن لحظة واحدة .
ليس بمستغرب أن يختار عبدالرحيم التيار الوطني العروبي، فوالده من قبله كان " مشاغباً " إبان دراسته للطب في الجامعة الأمريكية في بيروت فتم فصله ليكمل تخرجه من دمشق عام 1929، وعلى خطا والده توجه بدوره لدراسة الطب والجراحة في الجامعة ذاتها . ووالده الدكتور قاسم كان معارضاً للانتداب البريطاني، فسجن عام 1942 وأصبح فيما بعد نقابياً متحمساً نجح في انتخابات عضوية أول مجلس نقابي طبي أردني عام 1954 مع منيف الرزاز تحت قيادة مصطفى خليفة ، وكان لديه شغف بل ولع بالأمور غير الطبية ، فكان قبل أن يؤسس مستشفى خاصا يحمل اسم عائلته رئيساً لفريق الفيصلي قبل ثمانين عاماً.
الحديث مع عبدالرحيم كان شيقاً، فقد كان مدرسة في المجتمع والسياسة والطب وكان يتحدث عن كل ما يجول بالبال سوى عن نفسه، فقد عاش ومات متواضعاً لا يعرف الدجل ولا النفاق ولا الغرور .
ضحى بمنصبـه لكي لا يتراجع عن جملتـه الشهيرة " غذاؤنا فاسد ودواؤنا فاسد " عندما أصبح وزير صحتنـا الثاني والعشرين عام 1993، واختار الانسحاب من معركـته، وجد نفسه غير قادر على متابعـة خوضها، فاعتذر من ناخبيـه وقرر عدم ترشيح نفسـه للانتخابات النيابيــة عام 2007 بعد أن كان قد نجح في دورة 2003 تحت شعار مع الحقيقــة مهما كان الثمـن، فما الذي كان يقصده بالثمن يا ترى؟
عام 1972 أقيم حفل تكريم للدكتور قاسم ملحس تحت شعار " الرجل الذي أعطى ولم يأخذ " فهل كانت لجنة التكريم سباقة في تحليل شخصية الابن، وهل هناك أجمل من هذا الشعار نختاره اليوم لوداع صديقنا ؟
رغم شغفه بالكتابة وانضمامه لرابطة الكتاب لم يخلف عبد الرحيم سوى كتاب قيم واحد يدل عنوانه " لماذا نحن هكذا " على القنوط الذي كان يسكن تفكيره أمام متغيرات الحياة في الأردن .
أسئلة محيرة عاش عبدالرحيم ورحل دون أن يجد لها جواب، مثل: لماذا غدت ممارسة الطب في الأردن غابة لا يحكمها شرع أمام عيون وزارة الصحة ونقابة الأطباء؟ لماذا يمر عام كامل دون أدنى إنجاز لوزارة الصحة ؟ لماذا اختار الأردني الهادئ المسالم العنف عنواناً لخطاه ؟ لماذا غدت أقسام الطوارئ في مستشفياتنا حلبات مصارعة ؟ لماذا لا يحترم الأردني قانون السير ولا يلتزم بمسربه ويقود مركبته وكأنه وحيد في المدينة ؟ لماذا فقدنا الانتماء للوطن ؟ لماذا فقدنا الأمل بمستقبل زاهر ؟ لماذا غدا النفاق والخداع عنواناً لمجتمعنا الجديد ؟ لماذا أصبحنا نفضل الفوضى على النظام ؟ لماذا أصبحت الديمقراطية بمفهوم البعض الابتزاز والتحدي ؟ لماذا يرغب البعض بالتضحية بالوطن من أجل أجندات مشبوهة خارجية ؟ لماذا ولماذا ولماذا ، ملحس الطبيب الذي نجح في علاج أمراض مرضاه مني بفشل ذريع في مهمة علاج أمراض المجتمع .
جريدة العرب اليوم :http://www.alarabalyawm.net/Public_N...2&NewsID=27368

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق