تهتم هذه المدونة وتعنى بأنساب وتاريخ وأعراف وتقاليد وأخبار وأعلام وشؤون قبائل المساعيد

الأحد، أكتوبر 21، 2012

بين ملحس وعبيدات.. زمن من صمت ، بقلم الأستاذ هاني البدري

هذه المقالة سبق نشرها بتاريخ 2 / 8 / 2012 م في جريدة العرب اليوم نعيد نشرها لتعلقها بسيرة الدكتور عبد الرحيم ملحس رحمه الله تعالى :


هاني البدري


حتى لو مر دهر علينا، لا نتغير، سنبقى نراوح اندهاشنا في مقاعد المتفرجين، أفنينا أعمارنا ونحن ننتظر، ثم اكتشفنا بعد عُمر من الانتظار، أننا لا نعرف حتى ماذا ننتظر، في تلك الأثناء نندهش ونُقحم أنفسنا في اللعبة، وننتقد ونتأفف ثم نعود للانتظار!!
منذ زمن بعيد، أخذ وزيرٌ للصحة يدعى عبد الرحيم ملحس موقفاً من رئيسه وحكومته ومؤسساتها جميعاً، وأعلن أن غذاءنا ودواءنا فاسدان وأن المواطن الأردني يتعرض للاغتيال عبر غذائه ودوائه، مشكلة الدكتور ملحس أنه اتخذ موقفاً في زمن وفي مكان لم يكن للمواقف مكان فيه، لكنه تعرض هو نفسه لمحاولات اغتيال، حاولوا ثنيه عن الموقف حتى من أعلى رؤسائه، وطالب نواب آنذاك من ملحس الاعتذار للأردن قيادة وشعباً ومطاعم للإساءة والتشهير.
وقتها اتضح وكان مبكراً أن زيادة نسبة الإصابة بالسرطانات بين الأردنيين ترتبط بشكل كبير بنوعية غذائهم، لكن أحداً لم تحركه مشاعر الحياء، ولم يقوَ على مواجهة أعراض نخوة مفاجئة كانت يمكن أن تغير الواقع الذي وصلنا إليه اليوم.
غادر ملحس ولم يسمع عنه أحد، لم يتكرر اسمه في تشكيل وزاري آخر، ولم يحظَ بمنصب تعويضي كآخرين، بل دخل دائرة النسيان بقرار وغاب، حتى في أزمته الصحية الأخيرة، لم يذكره الكثيرون بسبب ذلك القرار.
اليوم، وصلنا إلى ما نحن عليه بعد فترة صمت مطبق، خرج إثرها طبيب عيون من حرثا اسمه هايل عبيدات، رأى بعين الطبيب المجردة ما أخفته كتب ومخاطبات الحكومة ونفوذ الكبار في قطاع الأكل والشرب. واتخذ موقفاً وقال ما قال، وأغلق ما أغلق، وشعرنا أن الزمن تغير بسبب عوامل التعرية السياسية والإعلامية التي شكلت في (أمخاخنا) ربيعنا الخاص.
لم يتغير الزمن، حاولوا اغتيال شخصية عبيدات عبر الإشاعات، وضغطوا ومارسوا نفوذهم ودفعوا بنواب ومسؤولين للتوسط، بل وطلب منه هو نفسه بالاعتذار بعد أن "تسبب بتشويه صورة المطاعم في الأردن"!
بين زمنين، يبدو أن الدنيا تغيرت من حولنا، حتى وإن كان رئيس وزراء أسبق قد وجه رسالة إلى وزير الصحة يطالبه بوقف التفتيش على المطاعم بعد انزعاجها بسبب الإساءة لصورتها، وحتى إن كان المتوسطون والمتنفذون قد بذلوا ويبذلون جهوداً مضنية لإنقاذ شركائهم، وحتى إن نفت بعض المطاعم إغلاقها وتذرعت بالصيانة لتوقفها. الدنيا تغيرت ولم نعد نقوى على مواجهة هذا التغيير.
فاجعة الأردنيين بطعامهم جاءت كبيرة بحجم الأسماء اللامعة التي تحملها يافطات المطاعم المعنية بالقرار. فهي تلك الأسماء التي اكتسبت ثقة المواطن على صحته وأسرته، لكن وراء كل اسم كبير تفاصيل صغيرة علينا أن ندركها.
بعض المطاعم التي تاجرت بقوت الناس، نفذت بأذرعها القانونية عبر تراخي القانون ونعومة العقوبات التي تصل إلى بضع مئات من الدنانير يدفعها من حصة آخر الوجبات الفاسدة التي قدمت للمواطنين قبل القرار.. ثم عادت!!
آخرون سارعوا لوضع لافتات "تحت الصيانة" متداركين الموقف بمشهد درامي متواضع الأداء ومُمعن بالاستهبال على المواطن الذي ما يزال يسعى لمعرفة كامل أسماء المطاعم التي أتت على غذائه وصحة أسرته جهاراً نهاراً مستظلين بالصمت أو الدلال الحكومي الذي اخترقه عبيدات ومؤسسته.
بين زمنين، لنا الله لنلوذ به أن يُنعم علينا بأشخاص يأخذون موقفاً حتى وإن كلفهم الغياب.. بدون عودة.

جريدة الغد :
http://www.alghad.com/index.php/afka...cle/30226.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق