عمان- طواه الموت، بعد صراع مع المرض، ولكن المرض لم يستطع أن ينال من مواقفه
وآرائه وصلابته، كما أن أسلوب عيشه المرفّه القريب من الطريقة الأرستقراطية لم
يبعده عن الطبقة الفقيرة التي أحبها، وتعلق بها، ونقل همومها ودافع عنها، وهو وزير
ونائب و"حكيم".
قامة "الحكيم" عبد الرحيم ملحس، الذي توفي أمس عن 74 عاما، تستحق الرثاء،
فقد فقدنا رجلا يجمع الكل على استقامته وشفافيته وصلابة مواقفه، ونقاء سريرته، وطموحه الذي حمله صغيرا ورجلا ووزيرا ونائبا بأن يرى الأردن أفضل وأحلى وأنقى.
رحل ملحس وما تزال صرخته التي أطلقها العام 1994 لم تجد جوابا لغاية الآن، ولم يجب عليها أي رئيس حكومة لاحق، أو أي وزير صحة، سواء بالنفي أو بالتسليم.
ملحس فاجأ البلاد كلها قبل 16 عاما، عندما قال وهو وزير للصحة إن غذاءنا ودواءنا فاسدان، والأردن تحول إلى حاوية قمامة للعالم أجمع، قالها وهو وزير للصحة، واستقال.
استقال دون أن يرف له جفن على منصب فقده، أو قول تحدث به، أو مقابلة كشف فيها ما يراه بوصفه وزيرا للصحة، رحل ملحس، وما تزال آثار ما فجّره وما عرف لاحقا بـ"ملحس غيت" حتى الآن دون إجابات، وما نزال نسمع يوميا عن إغلاقات لمطاعم ومخابز ومحال، وعن مكاره هناك، وكأن هناك من يريدنا دوما أن نسترجع ما قاله الرجل وما صرّح به.
نهل ملحس، الذي تربى في بيت سياسي بامتياز، من المعرفة، ما مكنه من معرفة
الصالح من الطالح، والخبيث من الطيب، والقول الجيد من القول الفاحش، فانجبل
فكرا وعقيدة ورؤية، فكان له ذاك طريق نور ليرى فيه بشكل أوضح وأوسع.
أثرت في ملحس الشاب الأفكار اليسارية والقومية، واستفاد من انفتاح لبنان للاطلاع على كل مشارب المعرفة، فنهل من هناك ما شعر أنه يتماشى مع ما يفكر فيه ويؤمن به، فتشكلت هناك شخصية رجل علم يبحث عن شهادة الطب، ولكنه في الوقت عينه لم ينس قضايا شعبه وأمته، فكانت الجزائر حاضرة في فكره كما الأردن وفلسطين، واليمن كما سورية، والعراق كما مصر والسودان، وكان يأمل أن تنتقل الدول العربية الرابضة على كتف الخليج والمغلقة سياسيا وفكريا إلى مطارح أوسع وأشمل، وأن يتم استغلال المال في تفجير طاقات المعرفة والإبداع، وليس في توسيع ترسانة الأسلحة فقط.
استقال ملحس من وزارة الصحة، ولكنه لم يبتعد كثيرا عن الشأن العام، فكان مجبولا به حتى النخاع، فعاد ليترشح لعضوية مجلس النواب الرابع عشر العام 2003 ورفع شعار "مع الحقيقة مهما كان الثمن"، فكان من النواب القلائل الذين كان الناس في شرفات المجلس والصحفيين ينتظرون كلماتهم سواء في الموازنة أو الثقة في الحكومات.
كان يتحدث واضعا يده على جرح ينزف، وينقل هموم شعب أثقلته الديون، والفقر والعوز، وكان ينتقد عندما يحين وقت النقد، وكان أيضا وقت ذاك يطالب بالإصلاح والتوسع في منح الشعب سلطات عندما كانت مثل تلك الأفكار تغيب عن الكثير من الساسة الذين باتوا لاحقا يطالبون بها صبح مساء.
كان "الحكيم ملحس" نائبا له نكهته المختلفة، ومواقفه الخاصة، ورؤيته الواضحة، فكان أغلب الوقت، إن لم يكن كله، حاجبا للثقة عن الحكومات التي تشكلت في البرلمان الرابع عشر.
كان يحجب، ويقول للحكومة لماذا يفعل ذلك، ويسأل أين تقف الحكومة في الموضوع هذا أو ذاك، ويقول إن الحكومة ستفشل ويبرر لماذا يعتقد بذلك، فكانت كلماته محط تقدير وإعجاب الجميع، وفورا تجد لها مكانا أوسع وأوضح في الصحف، ولدى قلوب وصدور الناس والمتابعين وحتى عند زملائه النواب أنفسهم.
لطالما قاتل الرجل لإبعاد الأمني عن السياسي، ولطالما حذر من مغبة العبث طويلا بمؤسسة مجلس النواب خوفا من فقدان ثقة الناس بالمؤسسة، ولطالما حذر وحذر، ولكن لم تكن وقت ذاك حياة لمن تنادي.
عندما انتهت مدة البرلمان الرابع عشر جلس مع ناخبيه وقال لهم، لم أستطع الوفاء بما تعهدت لكم به، ولهذا لن أخوض التجربة من جديد، ورغم محاولات الإقناع التي مورست من مؤيديه الذين شهدوا له أن يدا واحدة لا تصفق، إلا أنه أصر على موقفه ولم يترشح.
رحل ملحس "الحكيم الطيب الودود" الذي كانت عيادته في الكثير من الأحيان ملجأ للفقراء الذين كانوا يجدون فيه مثالا للطبيب الإنسان، فكان بلسما لهم، ومرهما يداوي أوجاعهم، بلا ثمن يقبضه أو فلوس يحصل عليها.
رحمك الله أيها السياسي والطبيب والوزير والنائب والإنسان، الذي أشعرنا أن في الأردن رجالا يقولون كلمة الحق، وإن كان الثمن الاستقالة من منصب وزير، ولا يخافون في الحق لومة لائم.
جريدة الغد :http://www.alghad.com/index.php/arti...l?section_id=0
قامة "الحكيم" عبد الرحيم ملحس، الذي توفي أمس عن 74 عاما، تستحق الرثاء،
فقد فقدنا رجلا يجمع الكل على استقامته وشفافيته وصلابة مواقفه، ونقاء سريرته، وطموحه الذي حمله صغيرا ورجلا ووزيرا ونائبا بأن يرى الأردن أفضل وأحلى وأنقى.
رحل ملحس وما تزال صرخته التي أطلقها العام 1994 لم تجد جوابا لغاية الآن، ولم يجب عليها أي رئيس حكومة لاحق، أو أي وزير صحة، سواء بالنفي أو بالتسليم.
ملحس فاجأ البلاد كلها قبل 16 عاما، عندما قال وهو وزير للصحة إن غذاءنا ودواءنا فاسدان، والأردن تحول إلى حاوية قمامة للعالم أجمع، قالها وهو وزير للصحة، واستقال.
استقال دون أن يرف له جفن على منصب فقده، أو قول تحدث به، أو مقابلة كشف فيها ما يراه بوصفه وزيرا للصحة، رحل ملحس، وما تزال آثار ما فجّره وما عرف لاحقا بـ"ملحس غيت" حتى الآن دون إجابات، وما نزال نسمع يوميا عن إغلاقات لمطاعم ومخابز ومحال، وعن مكاره هناك، وكأن هناك من يريدنا دوما أن نسترجع ما قاله الرجل وما صرّح به.
نهل ملحس، الذي تربى في بيت سياسي بامتياز، من المعرفة، ما مكنه من معرفة
الصالح من الطالح، والخبيث من الطيب، والقول الجيد من القول الفاحش، فانجبل
فكرا وعقيدة ورؤية، فكان له ذاك طريق نور ليرى فيه بشكل أوضح وأوسع.
أثرت في ملحس الشاب الأفكار اليسارية والقومية، واستفاد من انفتاح لبنان للاطلاع على كل مشارب المعرفة، فنهل من هناك ما شعر أنه يتماشى مع ما يفكر فيه ويؤمن به، فتشكلت هناك شخصية رجل علم يبحث عن شهادة الطب، ولكنه في الوقت عينه لم ينس قضايا شعبه وأمته، فكانت الجزائر حاضرة في فكره كما الأردن وفلسطين، واليمن كما سورية، والعراق كما مصر والسودان، وكان يأمل أن تنتقل الدول العربية الرابضة على كتف الخليج والمغلقة سياسيا وفكريا إلى مطارح أوسع وأشمل، وأن يتم استغلال المال في تفجير طاقات المعرفة والإبداع، وليس في توسيع ترسانة الأسلحة فقط.
استقال ملحس من وزارة الصحة، ولكنه لم يبتعد كثيرا عن الشأن العام، فكان مجبولا به حتى النخاع، فعاد ليترشح لعضوية مجلس النواب الرابع عشر العام 2003 ورفع شعار "مع الحقيقة مهما كان الثمن"، فكان من النواب القلائل الذين كان الناس في شرفات المجلس والصحفيين ينتظرون كلماتهم سواء في الموازنة أو الثقة في الحكومات.
كان يتحدث واضعا يده على جرح ينزف، وينقل هموم شعب أثقلته الديون، والفقر والعوز، وكان ينتقد عندما يحين وقت النقد، وكان أيضا وقت ذاك يطالب بالإصلاح والتوسع في منح الشعب سلطات عندما كانت مثل تلك الأفكار تغيب عن الكثير من الساسة الذين باتوا لاحقا يطالبون بها صبح مساء.
كان "الحكيم ملحس" نائبا له نكهته المختلفة، ومواقفه الخاصة، ورؤيته الواضحة، فكان أغلب الوقت، إن لم يكن كله، حاجبا للثقة عن الحكومات التي تشكلت في البرلمان الرابع عشر.
كان يحجب، ويقول للحكومة لماذا يفعل ذلك، ويسأل أين تقف الحكومة في الموضوع هذا أو ذاك، ويقول إن الحكومة ستفشل ويبرر لماذا يعتقد بذلك، فكانت كلماته محط تقدير وإعجاب الجميع، وفورا تجد لها مكانا أوسع وأوضح في الصحف، ولدى قلوب وصدور الناس والمتابعين وحتى عند زملائه النواب أنفسهم.
لطالما قاتل الرجل لإبعاد الأمني عن السياسي، ولطالما حذر من مغبة العبث طويلا بمؤسسة مجلس النواب خوفا من فقدان ثقة الناس بالمؤسسة، ولطالما حذر وحذر، ولكن لم تكن وقت ذاك حياة لمن تنادي.
عندما انتهت مدة البرلمان الرابع عشر جلس مع ناخبيه وقال لهم، لم أستطع الوفاء بما تعهدت لكم به، ولهذا لن أخوض التجربة من جديد، ورغم محاولات الإقناع التي مورست من مؤيديه الذين شهدوا له أن يدا واحدة لا تصفق، إلا أنه أصر على موقفه ولم يترشح.
رحل ملحس "الحكيم الطيب الودود" الذي كانت عيادته في الكثير من الأحيان ملجأ للفقراء الذين كانوا يجدون فيه مثالا للطبيب الإنسان، فكان بلسما لهم، ومرهما يداوي أوجاعهم، بلا ثمن يقبضه أو فلوس يحصل عليها.
رحمك الله أيها السياسي والطبيب والوزير والنائب والإنسان، الذي أشعرنا أن في الأردن رجالا يقولون كلمة الحق، وإن كان الثمن الاستقالة من منصب وزير، ولا يخافون في الحق لومة لائم.
جريدة الغد :http://www.alghad.com/index.php/arti...l?section_id=0
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق