تهتم هذه المدونة وتعنى بأنساب وتاريخ وأعراف وتقاليد وأخبار وأعلام وشؤون قبائل المساعيد

الأحد، أكتوبر 21، 2012

رحيل رجل غير عادي ، بقلم الأستاذة غيداء درويش

كان مختلفاً في كل شيء , راقياً حدّ التحضّر, بسيطاً حدّ البراءة , فيلسوفاً حدّ الجنون , ذكياً حدّ العبقرية , عبقرياً حدً النبوغ , سريع البديهة , خفيف الظلّ , مُخترع النكتة ..في حضوره تسمو الجلسات ويحلو الحديث ففيه بلاغة المفكرين وطلاوة المفردات ,بالمُختصر إنه رجل غير عادي في زمن أنصاف الرجال وأرباعهم بل ونتفهم ..
رحل الدكتور»عبد الرحيم ملحس»عن هذه الدنيا الغرور مسرعاً لا يلوي على شيء فما إن حانت ساعته حتى لبّى النداء عملاً بقول الشاعر:
فما نحن إلا هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق
نعم رحل الطبيب الإنسان بعد أن ضاق ذرعاً بأمته ومشاكلها , حاول الإصلاح بكل ما أوتي من إخلاص المواطن الحرّ الغيور على وطنه, فاصطف بجانب المواطن المسحوق يدافع عن صحته بتفجير قنبلة الغذاء والدواء ففتح الأعين على الجرائم التي تُرتكب بحق هذا المواطن , وقاوم الحيتان والفاسدين ,وحورب من أصحاب المصالح والمنتفعين ,وبحث عن أسباب تخلفنا وتساءل في كتابه ؟»لماذا نحن هكذا؟ ..فكان يدور في حلقة مُفرغة كالذئب الجريح ,وظل يصارع الأخطاء حتى تعب القلب فتحول الصراع مع مرض لا يرحم ,وهو الطبيب الذي يعرف كيف يعيش بصحة جيدة فلا يأكل إلا حين يجوع , ولا يتناول دواء مغشوشاً على أساس أن بلادنا أضحت مكباً لنفايات الغرب , ولا يشتري مادة غذائية إلا إذا تأكد من صلاحيتها ..ومع ذلك رحل ! هو القهر بعينه الذي هزمه لقد هدّته قضية فلسطين ,وذبحه كسر العراق ,وأرهقه الفساد بأنواعه , وعرف بحدسه ما يُطبخ لسوريا وهي الجدار الإستنادي الوحيد الذي بقي للأمة ,فما بين مؤامرات الخارج وأطماع الداخل ذبحت سوريا من الوريد إلى الوريد حماية لأمن إسرائيل ..فكيف لا يمرض وحالنا تفتت الصخر كمداً..
أخذني الحديث عنك إلى الحديث عن سوريا وكلاكما حصني وملاذي .. لطالما كانت «حلب» محور حديثنا المشترك ,طالما وعدتَ بزيارتها لتشهد التاريخ وقد تربع على عرشها ,لقد سرقوه يا أخي وأحرقوا دكاكين «المدينة «بكل عظمتها ..أشعر اليوم باليتم لقد فقدت الأرض والإنسان معاً وفي نفس اليوم ,فأي الرزأين أحتمل ؟ وأيهما أرثي ؟
كلما كنت أسأله عن حاله كان يتمسك بجواب لا يغيره «قرفان «..بالفعل يا أخي إن ما نعانيه اليوم هي حالة قرف تدعو للإشمئزاز والتقزز..
رحل الأخ النبيل الذي كان يغيب لمشاغله ويحضر في الملمات , صديقاً وفياً أمتحنته في أكثر نكساتي خاصة الصحية حين كان ملاك الموت يحوم حولي , دامت تلك الصداقة بشفافيتها ونقائها عمراً عامراً بتلاقي الأفكار والآراء ..
رحل الرجل الأمين على مبادئه والوفي لقيمه , فلم يساوم على موقف أو يهادن لمصلحة خاصة ,كلمته كالسيف تقطع في الحق ولاتجرح ..رحل العفيف الذي رفض قبول السيارة هدية النيابة معتذراً بأنها من حق الشعب ..رحل الشريف النزيه الكريم الذي ما قصّر في حقّ فقير او محتاج ..رحل الطبيب الإنسان الذي ترّفع عن كل ممارسة ممجوجة يتبعها البعض لمزيد من الربح الحرام ..
منذ زمن تحجر دمعي في المآقي فعزوت ذلك إلى تجمّد الإحساس من كثرة المصائب,وصرت استدعيه ليفرّج عن قلبي منظر الدماء التي تسيل من أبناء جلدتي ,إلى ان جاءت مكالمة الدكتور «عبد الرحيم» يعتذر لعدم ردّه على مكالماتي بسبب هجمة المرض العضال ,وبأنه سيتعرض للأشعة , يومها انفجر الدمع بركاناً من عيني وقلب أخي الذي حلم بحديث أخير معه فكان حديثنا وداعاً ..
برحيلك تقلص عالم النبلاء ,وقلّت أعداد الشرفاء ,وانسحب الرجال الرجال باحثين عن عالم أفضل من هذا العالم الظالم ..
وداعاً أيها الرجل النبيل ,لقد دفعت بأمانة كفّارة الدنيا وذنوبها ألماً ووجعاً ,فأهنأ في رقدتك الأخيرة هرباً من قساوة الدنيا إلى رحمة الله ..! عزائي للأهل بفقدان الغالي ,عزائي لزوجتك الوفية , و للنخلتين فقدان أب ولا أحلى ولا أغلى , وليس آخراً عزائي لوطن عزّ رجاله ..!! أما أنا فسأستبدلك بصديقي الصبر ..وداعاً..
 
جريدة الرأي :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق